محمد جواد مغنية
927
عقليات إسلامية
عند أنفسنا إذا ارتفعنا درجة عند الناس ، فهذا شيء لم نره ، ولم نسمع به ، ولم يخطر لنا على بال . لقد دلتنا التجارب على أن ذات الشخص تتغير وتتبدل إذا تغيرت ظروفه وأحواله ، فنحن نعرف رجالا كانوا مثال التواضع ودماثة الخلق عندما كانوا فقراء معوزين ، ثم أصبحوا أخبث من الأفاعي ، وأضر من الحشرات السامة حين صاروا من ذوي الثراء واليسار . كان اللؤم كمينا في أنفسهم يغطيه الضعف ويخفيه العجز . ولما أحسوا القوة من أنفسهم رجعوا إلى حقيقتهم وظهر دنسهم بأوضح معانيه ، تماما كالذين يظهرون الولاء للشعب ، وهم بعيدون عن الكراسي ، حتى إذا اخذوا منها بنصيب تحالفوا مع ألد أعدائه ، وساوموا للاحتفاظ بها على ارضه وسمائه . هذا هو شأن اللئيم الخبيث يتعاظم ويطغى ان رآه استغنى ، اما الطيبون الذين يشعرون بالمجتمع ويهتمون بشؤونه ، ويتوجعون لاوجاعه ، فلا تبدل أو تغير الأوضاع من طبيعتهم شيئا سواء أرفعتهم الظروف إلى الاعلى ، أم انحطت بهم إلى الأسفل ، فحقيقتهم في الحالين واحدة : آمنوا بالعدالة والمساواة ، وهم ضعفاء لا يقدرون على شيء ، وبقوا على ايمانهم بعد ان صاروا أقوياء قادرين على كل شيء ، فالقدرة لم تحولهم عن دينهم ومبدئهم ، والعلو لم ينحرف بهم عن سبيل الرشد ، ولم تحدث لهم كبرا ولا عجبا ولا فخرا ، ولو حدثت ذرة من هذه في قلوبهم لقضت على كل ما فيها من ايمان وتقدير للمسؤولية ، لذا طلب الامام ، وهو العليم الحكيم ، ان لا يرفع في الناس درجة الا حط عند نفسه مثلها ، هذا هو العز بمعناه الصحيح ، وهذي هي العظمة عند اللّه والناس . انك عظيم إذا تجردت عن انانيتك ، ودنت بدين الحب والانسانية ، ورأيت لنفسك عين ما تراه لأضعف مخلوق بدون